محمد بن جرير الطبري
221
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
كساء كان لابسه ، واخرج من كمه ششتقه بيضاء نقيه ، فمسح بها وجهه ، ثم دخل على كسرى ، فلما عاين كسرى ، خر له ساجدا ، فأمره كسرى بالانبعاث ، فانبعث وكفر بين يديه - وكان كسرى جالسا على ثلاثة أنماط من ديباج خسروانى منسوج بذهب ، قد فرشت على بساط من إبريسم ، متكئا على ثلاث وسائد منسوجه بذهب ، وكان بيده سفرجله صفراء شديده الاستدارة فلما عاين اسفاذ جشنس ، تربع جالسا ووضع السفرجلة التي كانت بيده على تكاته ، فتدحرجت من أعلى الوسائد الثلاث لشدة استدارتها واملساس الوساده التي كانت عليها ، بامتلاء حشوها إلى أعلى تلك الأنماط الثلاثة ، ومن النمط إلى البساط ، ولم تلبث على البساط ان تدحرجت إلى الأرض ، ووقعت بعيدا متلطخه بتراب ، فتناولها اسفاذ جشنس فمسحها بكمه ، وذهب ليضعها بين يدي كسرى ، فأشار اليه ان ينحيها عنه ، وقال له : اعزبها عنى ، فوضعها اسفاذ جشنس عند طرف البساط إلى الأرض ، ثم عاد فقام مقامه ، وكفر بيده ، فنكس كسرى ، ثم قال متمثلا : الأمر إذا ادبر فاتت الحيلة في الاقبال به ، وإذا اقبل أعيت الحيلة في الادبار به ، وهذان الأمران متداولان على ذهاب الحيل فيهما ، ثم قال لاسفاذ جشنس : انه قد كان من تدحرج هذه السفرجلة وسقوطها حيث سقطت ، وتلطخها بالتراب وهو عندنا كالاخبار لنا بما حملت من الرسالة ، وما أنتم عاملون به وعاقبته ، فان السفرجلة التي تأويلها الخير ، سقطت من علو إلى سفل ، ثم لم تلبث على مفرشنا ان سقطت إلى الأرض ، ووقعت بعيدا متلطخه بتراب ، وذلك منها دليل في حال الطيرة : ان مجد الملوك قد صار عند السوق ، وانا قد سلبنا الملك ، وانه لا يلبث في أيدي عقبنا ان يصير إلى من ليس من أهل المملكة ، فدونك فتكلم بما حملت من رساله ، وزودت من الكلام . فاندفع اسفاذ جشنس في تبليغ الرسالة التي حمله إياها شيرويه ، ولم يغادر منها كلمه ، ولم يزلها عن نسقها فقال كسرى في مرجوع تلك الرسالة : بلغ